صديق الحسيني القنوجي البخاري

76

فتح البيان في مقاصد القرآن

موتة ، وأورشليم الجديدة عبارة عن مكة المعظمة على بادىء الرأي ، لقوله : النازلة من السماء لأن أهل الإسلام قد ذهبوا إلى أن قوله أم القرى ومن حولها يفيد العموم ، وقالوا : إن الحجر الأسود كان قد نزل من السماء أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم ، وقد رواه الترمذي وصححه ، فيكون قوله : أورشليم الجديدة النازلة من السماء كناية عن مكة ، وهذا من قبيل إقامة الظرف مقام المظروف ، وهي في جزيرة العرب قريبة من ساحل البحر الأحمر في مجاري طول 40 درجة من الطول الجديد وعرض 20 درجة من الشمال . وفي سفر الرؤيا : ورأيت سماء جديدة وأرضا جديدة لأن السماء الأولى والأرض الأولى قد جازتا ، والبحر لن يوجد بعد ، وأنا يوحنا رأيت المدينة المقدسة أورشليم الجديدة ، نازلة من السماء ، مهيأة كعروس مزينة لزوجها انتهى . وهذا من أجل البشارات الدالة على نبوته صلى اللّه عليه وسلم ، لأن جدة الأرض والسماء تدل على تحول الأحوال ، وتبدل الأمثال ، وإلا فلا معنى لزوالهما قبل يوم القيامة ، ولا معنى لوجود غيرهما وأما البحر فإنه قد كني به عن الضلال الذي كان يعرض في ذلك الزمان من بعض كهنة اليهود ، فإنهم لم يزالوا يدعون النبوة بالكذب وهم أول من خاض في ذلك البحر . وقوله : كالعروس الخ بيان لحسن انتظام مكة شرفها اللّه وزوجها هو رب الجنود صلى اللّه عليه وسلم . وفي أشعيا : وستخرج من قنس الأسى عصى ، وينبت من عروقه غصن وستستقر عليه روح الرب أعني روح الحكمة والمعرفة والروح الشورى والعدل وروح العلم وخشية اللّه وتجعله ذا فكرة وقادة مستقيما في خشية الرب فلا يقضي بمحاباة الوجوه ولا يدين بمجرد المسع . انتهى . وهذه صفات رب الجنود صلى اللّه عليه وسلم ، بأبي هو وأمي . وفي سفر الرؤيا : فأخذتني الروح إلى جبل عظيم شامخ وأرتني المدينة العظيمة أورشليم المقدسة نازلة من السماء من عند اللّه وفيها مجد اللّه وضوؤها كالحجر الكريم كحجر اليشم والبلور وكان لها سور عظيم عال واثنا عشر بابا وعلى الأبواب اثنا عشر ملكا وكان قد كتب عليها أسماء أسباط إسرائيل الاثني عشر انتهى . ولا تأويل لهذا النص بحيث أن يدل على غير مكة شرفها اللّه تعالى ، والمراد بمجد اللّه بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وفيه أيضا : ولسور المدينة اثنا عشر أساسا وعليها أسماء رسل الحمل الاثني عشر انتهى . وهذا تأكيد صريح لما قبله والاثنا عشر الأساس لعلهم الخلفاء الاثنا عشر من قريش ، وفيه إشارة إلى انقياد جميع المذاهب العيسوية لشريعة خير البرية صلى اللّه عليه وسلم ، ولو بعد حين ، وبعد ظهور المهدي ، ونزول عيسى عليه السلام ، وهذه الرؤية طويلة جدا وفيها دلائل على صحة نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم وأحوال أمته